السيد عبد الأعلى السبزواري

23

مواهب الرحمن في تفسير القرآن

كما أنّ من آيات هذا البيت أن جعله اللّه تعالى أمنا يأمن ما حل فيه من النبات والحيوان والإنسان فلا يقطع حشيشه ولا يصاد صيده ولا يخاف آمنه ، وبهذا كان معروفا حتّى في الجاهلية مع شدة معاداتهم وحبهم للانتقام وسفك الدماء ، قال تعالى : أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَ فَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ [ سورة العنكبوت ، الآية : 67 ] . وفي الحديث : « كل شيء ينبت في الحرم فهو حرام على النّاس أجمعين » ، وقد ورد في الظبي إذا دخل الحرم « لا يؤخذ ولا يمس » . كما ورد في من جنى ودخل الحرم أنه لا يقتل بل يضيق عليه في المأكل والمشرب ، والبحث فقهي . وسيأتي تفصيل معنى الأمن عن قريب إن شاء اللّه تعالى . ولعل في ذكر هاتين الفضيلتين للبيت - الأمن والمثابة - إشارة إلى صلاحية كونه قبلة النّاس وأولويته من غيره . قوله تعالى : وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى . عطف على الجملة السابقة . وأما قراءة « اتخذوا » - بالفتح - فلبيان أن مقام إبراهيم ( عليه السلام ) كان مصلّى حتّى قبل الإسلام ، وقراءته بالكسر لا تفيد ذلك . ففيها : إنّ الخطاب صادر بالنسبة إلى جعل المقام مصلّى من أول ما جعل المقام سواء كان في الجاهلية أو في الإسلام كما في قوله تعالى : وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً ، وقوله تعالى : وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ [ سورة البقرة ، الآية : 125 ] . فإنّ جميع ذلك في مقام بيان صفات وخصوصيات هذا البيت العظيم . والأخذ يتضمن هنا معنى الجعل ، كما في قوله تعالى : أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ [ سورة المائدة ، الآية : 116 ] ، وقوله تعالى : لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ [ سورة المائدة ، الآية : 51 ] .